جان لوئيس بوركهارت

166

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

التي تظللنا بها في الظهيرة من الضآلة بحيث لا تنشر ظلا يذكر ، وما أصدق العرب حين يشبهون الثقة العمياء التي يضعها المغفلون في وعود كبار القوم بتلك المحاولات التي يبذلها المسافر لاتقاء الشمس المحرقة بالاستظلال بشجرة سنط ، فهم يقولون « كلامه مثل ظل السنط » . وينتشر النعام في كثير من أرجاء هذا السهل ، وقد رأينا هذا الصباح حطاما من بيض أنثاه ، كذلك رأيت عظايا كبيرة الحجم يبلغ طولها على الأقل قدما من الرأس إلى الذيل . وظلت الريح تهب جنوبية . وسألت أصحابي غير مرة هل لهم عهد بريح السموم ( وهذه الريح برغم اسمها هذا لا تعدو أن تكون ريحا جنوبية شرقية هو جاء ) ، فأجابوا نعم ، ولكن أحدا منهم لا يذكر أن هذه الريح كانت فتاكة قتالة ، وأسوأ آثارها أنها تجفف الماء في القرب فيتعرض المسافر لخطر العطش . على أن القرب في هذه الأقطار الجنوبية تصنع من جلد البقر الغليظ الذي لا تكاد تقوى السموم على تخلله . أما في شبه جزيرة العرب وفي مصر فيستعملون جلود الغنم والماعز في صنع القرب ، وقد تبينت ما تفعله بها السموم وأنا في رحلة برية من الطور إلى السويس في يونيو 1815 ، حين رأيت ثلث الماء في قربة ملأى قد تبخر في الضحى . ولقد تعرضت مرارا للحرور ببادية الشام وصحراء العرب وبصعيد مصر والنوبة ، ولقيت أعنفها وأشدها أوارا في سواكن ، ولكني برغم تعرضى لعصفها في السهل المكشوف لم أضار بها كثيرا . وفي اعتقادي أن المسافرين وأهل مصر وسوريا يغالون فيما يروون عن فعل السموم ، ولم أسمع قط - من مصدر موثوق به - بحادث واحد فتكت فيه هذه الريح بإنسان أو دابة . أما حقيقة الأمر فهي أن البدو يروّعون الحضر بقصصهم عن فتك هذه الريح بالناس بل عن قضائها على قوافل برمتها ، ولكنك تستطيع أن تستخلص منهم الحق إذا ضيقت عليهم السؤال وتوسموا فيك بعض الخبرة بالصحراء . ولم أر السموم تهب قريبة من الأرض قط كما يظن أغلب الناس ، وكنت إذا هبت أحس بالجو كله متقدا ، وتسفى الريح الغبار والرمال عاليا في الهواء الضارب لونه إلى الحمرة أو الزرقة أو الصفرة حسب طبيعة الأرض التي يثور منها الغبار ، على أن الصفرة هي الغالبة عليه . وتستطيع أن تكونّ فكرة صحيحة عن منظر